Thursday, May 17, 2012

من رواية المقريزى عندما انتصر عبيد الله على زيادة الله ودخل رقادة والقيروان



روى المقريزى قال

اشتهر خبر عبيد الله عند الناس، فطلبه المكتفي، ففر من سلمية ومعه ابنه أبو القاسم نزار الذي قام بالأمر من بعده، وخرج معهما خاصته ومواليه.

فلما انتهى إلى مصر أقام مستتراً بزي التجار، فأتت الكتب إلى عيسى التوشري أمير مصر من المعتضد بالله العباسي بصفة عبيد الله وحليته، وأنه يأخذ عليه الطرق ويقبضه وكل من يشبهه؛ فلما قرئت الكتب كان في المجلس ابن المدير الكاتب، فبلغ ذلك عبيد الله، فسار من مصر مع أصحابه ومعه أموال كثيرة، فأوسع في النفقة على من صحبه، وفرق النوشري الأعوان في طلب عبيد الله، وخرج بنفسه، فلما رآه لم يشك فيه، وقبض عليه، ووكل به وقد نزل في بستان، ثم استدعاه ليأكل معه، فأعلمه أنه صائم، فرق له، وقال: أعلمني حقيقة أمرك حتى أطلقك.

فخوفه الله تعالى وأنكر حاله، وما زال يتلطف به حتى أطلقه وخلى سبيله، وأراد أن يرسل معه من يوصله إلى رفقته، فقال: لا حاجة إلى ذلك، ودعا له.

وقيل إنه أعطاه مالاً في الباطن حتى أطلقه، فرجع بعض أصحاب النوشري عليه باللوم، فندم على إطلاقه، وأراد أن يبعث الجيش وراءه ليرده.

وكان عبيد الله قد لحق بأصحابه، فإذا ابنه أبو القاسم قد ضيع كلباً كان يصيد به، وهو يبكي عليه، فعرفه عبيده أنهم تركوه في البستان الذي كانوا فيه، فرجع عبيد الله بسبب الكلب حتى دخل البستان ومعه عبيده، فلما رآه النوشري سأل عن خبره، فقيل إنه عاد بسبب كلب لولده، فقال النوشري لأصحابه: قبحكم الله، أردتم أن تحملوني على هذا الرجل حتى آخذه، فلو كان يطلب ما يقال أو لو كان مريباً لكان يطوى المراحل ويخفى نفسه، ولا كان يرجع في طلب كلب وتركه، ولم يعرض له.

فسار عبيد الله وخرج عليه عدة من اللصوص بموضع يقال له: الطاحونة، فأخذوا بعض متاعه، منه كتب وملاحم كانت لآبائه، فعظم أمرها عليه، فيقال إنه لما خرج ابنه أبو القاسم في المرة الأولى إلى الديار المصرية أخذها من ذلك المكان.

ثم إن عبيد الله انتهى هو وولده إلى مدينة طرابلس، ففارق التجار، وكان في صحبته أبو العباس أخو أبي عبد الله، فقدمه عبيد الله إلى القيروان، فسار إليها، فوجد خبر عبيد الله قد سبق إلى زيادة الله بن الأغلب، فقبض على أبي العباس وقرره، فأنكر، وقال: أنا رجل تاجر صحبت رجلا في القفل، فحبس.

وبلغ الخبر إلى عبيد الله، فسار إلى قسنطينة.

ووصل كتاب زيادة الله إلى ناظر طرابلس بأخذ عبيد الله، فلم يدركه، ووافى عبيد الله قسطنطينة، فلم يقصد أبا عبد الله، لأن أخاه أبا العباس كان قد أخذ، وسار إلى سجلماسة، فوافت الرسل في طلبه، وقد سار فلم يوجد، ووصل إلى سجلماسة فأقام بها، وقد أقيمت له المراصد بالطرقات.

وكان على سجلماسة اليسع بن مدرار، فأهدى إليه عبيد الله وواصله، فقربه اليسع وأحيه، فأتاه كتاب زيادة الله يعرفه أن الرجل الذي يدعو إليه أبو عبد الله الشيعي عنده، فلم يجد بداً من القبض على عبيد الله وحبسه.

وأخذ زيادة الله في جمع العساكر، فقدم إبراهيم بن حنيش من أقاربه على أربعين ألفا، وسلم إليه الأموال والعدد، وسار وقد انضاف إليه مثل جيشه، فنزل مدينة قسنطينية، وأتاه كثير من كتامة الذين لم يطيعوا أبا عبد الله، وقتل في طريقه خلقا كثيرا من أصحاب أبي عبد الله هذا، وأبو عبد الله متحصن بالجبل، فأقام إبراهيم بقسنطينية ستة أشهر، فلما رأى أن أبا عبد الله لا يتقدم إليه زحف بعساكره، فأخرج إليه أبو عبد الله خيلا، فلما رآها إبراهيم قصد إليها بنفسه، والأثقال على ظهور الدواب لم تحط، فقاتلهم قتالا كثيرا، وأدركهم أبو عبد الله، فانهزم إبراهيم بمن معه وجرح، فغنم أبو عبد الله جميع ما معهم، وقتل منهم خلقا كثيرا، فسار إبراهيم إلى القيروان، وعظم أمر أبي عبد الله، واستقرت دولته.

وكتب كتاباً إلى عبيد الله وهو بسجن سجلماسة يبشره، وسير الكتاب مع بعض ثقاته، فدخل عليه السجن في زي قصاب يبيع اللحم، فاجتمع به وعرفه.

ونازل أبو عبد الله عدة مدائن فأخذها بالسيف، وضايق زيادة الله، فحشد وجمع عساكره، وبعث إليه هرون الطيبي في خلق كثير، فقتل هرون في خلائق لا تحصى. فاشتد الأمر على زيادة الله، وخرج بنفسه، فوصل إلى الأربس في سنة خمس وتسعين ومائتين، وسير جيشاً مع ابن عمه إبراهيم بن الأغلب.

واشتغل زيادة الله بلهوه ولعبه، وأبو عبد الله يأخذ المدائن شيئاً بعد شيء عنوة وصلحا، فأخذ مجانة، وتيفاش، ومسكيانة وتبسة، وسار إلى إبراهيم، فقتل من أصحابه، وعاد إلى جبل إيكجان.

فلما دخل فصل الربيع، وطاب الزمان، جمع أبو عبد الله عسكره فبلغت مائة ألف فارس وراجل، وجمع زيادة الله ما لا يحصى، وسار أول جمادى الآخرة سنة ست وتسعين ومائتين، فالتقوا مع أبي عبد الله، واقتتلوا أشد قتال، وطال زمنه، وظهر أصحاب زيادة الله، ثم إن أبا عبد الله كادهم بخيل بعثها من خلفهم، فانهزم أصحاب زيادة الله، وأوقع فيهم القتل، وغنم أموالهم، وكان ذلك في آخر جمادى الآخرة، ففر زيادة الله إلى ديار مصر، فدخل إبراهيم بن الأغلب إلى القيروان، فقصد قصر الإمارة، ونادى بالأمان، وتسكين الناس، وذكر زيادة الله وذمه، وصغر أمر أبي عبد الله، ووعد الناس بقتاله، وطلب منهم الأموال، فقالوا: إنما نحن فقهاء وعامة التجار، وما في أموالنا ما يبلغ غرضك، ثم إنهم ثارا به ورجموه. فخرج عنهم.

ودخل أبو عبد الله إلى مدينة رقادة، فأمن الناس، ومنع من النهب، وخرج الفقهاء ووجوه أهل القيروان إلى لقاء أبي عبد الله، وسلموا عليه، وهنوه بالفتح، فرد عليهم ردا حسنا، وأمنهم، وقد أعجبوا به وسرهم، فأخذوا في ذم زيادة الله وذكر مساوئه، فقال لهم: ما كان إلا قوياً وله منعة ودولة شامخة، وما قصر في مدافعته، ولكن أمر الله لا يعاند ولا يدافع. فامسكوا عن الكلام.

وكان دخول أبي عبد الله رقادة يوم السبت مستهل رجب سنة ست وتسعين ومائتين، فنزل ببعض قصورها، وفرق دورها على كتامة، ونادى بالأمان، فرجع الناس إلى أوطانهم، وأخرج العمال إلى البلاد، وطلب أهل الشر فقتلهم، وأمر بجمع ما كان لزيادة الله من الأموال والسلاح وغيره، فاجتمع منه كثير، وكان له دعة من الجواري لهن حظ من الجمال، فلم ينظر إلى واحدة منهن، وأمر لهن بما يصلحهن.

فلما كان يوم الجمعة أمر الخطباء بالقيروان ورقادة فخطبوا ولم يذكروا أحدا، وأمر بضرب السكة وألا يتسم عليها اسم، وجعل في الوجه الواحد: بلغت حجة الله، وفي الآخر: تفرق أعداء الله.

ونقش على السلاح: عدة في سبيل الله.

ووسم الخيل على أفخاذها: الملك لله.

وأقام على ما كان عليه من لباس الخشن الدون، والقليل من الطعام الغليظ.

ولما استقرت الأمور لأبي عبد الله في رقادة وسائر بلاد إفريقية أتاه أخوه أبو العباس أحمد المخطوم، ففرح به، وكان هو الكبير.

المصدر: اتعاظ الحنفاء للمقريزى 

No comments:

Post a Comment